ابن عجيبة

135

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ من يده ، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي : تبتلع بسرعة ما يَأْفِكُونَ : ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم ، ويزورونه ، فيخيّلون في حبالهم وعصيّهم أنها حيات تسعى ، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ لما شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد ، غير متمالكين لأنفسهم ؛ لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر ، وأنه أمر إلهي ، يدل على تصديق موسى عليه السّلام . وعبّر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة ؛ لقوله : أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ، فألقى ، فلما خروا سجودا ، قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ، قال عكرمة : أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء . ه . رَبِّ مُوسى وَهارُونَ : عطف بيان ، أو : بدل من بِرَبِّ الْعالَمِينَ . فدفع توهم إرادة فرعون ؛ لأنه كان يدعى الربوبية ، فأرادوا أن يعزلوه منها . وقيل : إن فرعون لما سمع منهم : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ، قال : إياي عنيتم ؟ قالوا : رَبِّ مُوسى وَهارُونَ . قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي : بغير إذن لكم ، كما في قوله تعالى : قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي « 1 » ، لان أن الإذن منه ممكن أو متوقع ، إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فتواطأتم على ما فعلتم ؛ مكرا وحيلة . أراد بذلك التلبيس على قومه ؛ لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق . ثم هدّدهم بقوله : لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ، يدا من جهة ورجلا من أخرى ، أو : من أجل خلاف ظهر منكم ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قيل : إنه فعل ذلك ، وروى عن ابن عباس وغيره ، وقيل : إنه لم يقدر على ذلك ، لقوله تعالى : أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ « 2 » . قالُوا أي : السحرة : لا ضَيْرَ أي : لا ضرر علينا في ذلك ، فحذف خبر « لا » ، إِنَّا إِلى رَبِّنا الذي عرفناه وواليناه مُنْقَلِبُونَ لا إليك ، فيكرم مثوانا ويكفر خطايانا ، أو : لا ضرر علينا فيما توعدتنا به ؛ إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت ، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى ، قال الورتجبي : لمّا عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء ، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه ، بنعت الرضا والغفران . ه . ولذلك قالوا : إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أي : لأن كنا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ من أهل المشهد ، أو : من أتباع فرعون . الإشارة : من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم ، ولذلك أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه ، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم ، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ ، وللإذن سر كبير ، لا يفهمه إلا من ذاق سره . وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف « 3 » . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) من الآية 109 من سورة الكهف . ( 2 ) الآية 35 من سورة القصص . ( 3 ) راجع إشارة الآيات 117 - 126 من سورة الأعراف .